ابن قيم الجوزية

83

الوابل الصيب من الكلم الطيب

وأدخله في ملائكة الرحمة . ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه وبينه وبين الله عز وجل حجاب ، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل ، ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله ، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه . ورأيت رجلاً من أمتي خف ميزانه فجاءه أفراطه . ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى . ورأيت رجلاً من أمتي قد أهوى في النار ، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك . ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف ، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن رعدته ومضى ، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحياناً ، فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته . ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه ، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة » . رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب في الخصال المنجية ، والترهيب من الخلال المردية وبنى كتابه عليه وجعله شرحاً له ، وقال : هذا حديث حسن جداً رواه عن سعيد بن المسيب عمرو بن آزر وعلي بن زيد بن جدعان وهلال أبو جبلة . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث ، وبلغني عنه أنه كان يقول : شواهد الصحة عليه ، والمقصود منه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « ورأيت رجلاً من أمتي احتوشته الشياطين ، ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه » فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري الذي شرحناه في هذه الرسالة وقوله فيه : « وأمركم بذكر الله عز وجل وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو فانطلقوا في طلبه سراعاً وانطلق حتى أتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه فيه » فكذلك الشيطان لا يحرز العباد أنفسهم منه إلا بذكر الله عز وجل . وفي الترمذي عن أنس بن مالك : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « من قال - يعني إذا خرج من بيته - بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله . يقال له : كفيت وهديت ووقيت ، وتنحى عنه الشيطان ، فيقول لشيطان آخر : كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي » ؟ رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال : حديث حسن . وقد تقدم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، كانت له حرزاً من الشيطان حتى يمسي » وذكر سفيان عن أبي الزبير عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال : إذا خرج الرجل من بيته